الغزالي

115

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

وازدادت محبتك عندي عمّا كانت عليه أولا ؛ وإذا دخلت فاجلس بعيدا مني حتى يقربك الحاجب بالتدريج ؛ ولا تطل جلوسك فتنسب إلى سوء الأدب ، ولا تسأل حاجتك لئلا تثقل على قلبي ، وإذا أحسنت إليك فاشكرني في كل محلة تحلّها ومنزلة تنزل ، بحيث إذا بلغني سررت بشكرك ، وازددت في برّك ؛ ولا تذكر في المجالس ما جرى بيني وبينك في الزمان الماضي . فامتثل الرجل هذه الوصايا فكان في كل سنة يمضي إلى سلامه مرتين ، وكان المنصور يعطيه في كل مرة يسلّم عليه ألف درهم . وإنّما ذكرت هذه الحكاية ليعلم أن من كان له عقل وإن لم يكن عالما فإن عقله يكون له دليلا ، ومن كان ذا علم وليس له عقل عادت أموره كلّها منعكسة منقلبة ، ومن كان تام العقل والعلم كان في الدّنيا نبيّا أو حكيما أو إماما ، فإن جمال الإنسان وعزّه ومرتبته وصلاح أحوال دنياه وآخرته بالعقل وتمامه ، فتتكامل صفاته وأقسامه ، كما قال الشاعر : بالعقل ينال المرء أوج البدر * والعقل به الجاه وسامي القدر والعقل به يغسل عار الوزر * في العقل التاج مع نفاذ الأمر والعقل أول الإيمان ووسط الإيمان وآخر الإيمان . قال بعض القدماء : ليس العقل أن الإنسان إذا وقع في أمر اجتهد في حسن خلاصه منه ، بل العقل أن لا يوقع نفسه في أمر يحتاج إلى الخلاص منه . حكمة : قال أبرويز الملك لولده : احفظ الرعية ليحفظك العقل ، واصرف آفتك عن الرعية ليصرف العقل آفته عنك ! واعلم أنك حكم بين الناس ، والعقل حكم جليل ، فكما ينبغي أن يقبل الناس أمرك ، فكذلك ينبغي أن تقبل أمر العقل . حكمة : كتب يونان الوزير كتابا إلى الملك العادل كسرى أنوشروان ، وأدّى رسائل في باب العقل وما يأمر به العقل ، فشكره أنوشروان وأمر الكاتب أن يكتب إليه جوابا وقال : أيها الحكيم لقد أحسنت في تأدية رسالة العقل ، لأننا ومن تقدّمنا من الملوك إنّما تحلّينا بالعقل ، فكيف يمكننا مخالفته ! فإن العاقل أقرب الناس إلى اللّه تعالى ، والعقل كالشمس في الدّنيا وهو قلب الحسنات ، والعقل حسن في كل واحد وهو في الأكابر والزعماء أحسن ، كالرطوبة في الشجرة ما دامت طرية كان الناس من رائحتها ونشر أزهارها وطيب ثمارها ونضارتها وطراوتها في سرور وغبطة ونزهة وفرحة ،